الشيخ محمد رشيد رضا

78

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الذي يزكي النفس ويطهرها فتنشأ خلقا جديدا ، ولا سبيل إلى ذلك في يوم الحساب وما يتلوه من الجزاء المشار اليه بقوله وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ أي وليس من شأنه ولا من مقتضى سنته أن يهديهم طريقا أي يوصلهم إلى طريق من طرق الجزاء على عملهم الا طريق جهنم وهي تلك الهاوية التي ينتهي إليها كل من يدسّي نفسه بالكفر والظلم ، وهي الطريق التي اختاروها لأنفسهم ، وأوغلوا في السير فيها طول عمرهم ، كالذي يهبط الوادي يكون منتهى شوطه قرارة ذلك الوادي لا قمة الجبل الذي هو فيه ، فانتظار المغفرة ودخول الجنة لهؤلاء كانتظار الضد من الضد والنقيض من النقيض ، أو انتظار ابطال نظام العالم ونقض سنن اللّه تعالى وحكمته في خلق الانسان . هذا هو التحقيق في مثل هذا التعبير ، لا ما يزعمه القائلون بالجبر لفظا ومعنى أو معنى فقط ، ولا ما يزعمه خصومهم من كل وجه . وقيل إن هذه الآية نزلت في قوم معينين علم اللّه منهم انهم لا يتوبون من كفرهم وظلمهم ، والا وجب تقييد عدم المغفرة والهداية لغير طريق جهنم بشرط عدم التوبة لان من تاب تاب اللّه عليه كما هو ثابت بالنص والاجماع . وما حمل قائلي هذا القول عليه الا غفلتهم عن كون هذا هو جزاء الكافرين الظالمين في الآخرة ، وظنهم أن قوله تعالى « وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً » الخ هو عبارة عن حرمانهم من الهداية في الدنيا ، وهذا هو الذي ساقهم إلى معتركهم في الجبر والقدر ، لعدم تطبيق مثله على مقتضى الحكمة واطراد الأسباب والسنن ، * * * ولما كان مقتضى سنة اللّه في أولئك الكافرين الظالمين أنه لا يهديهم بكفرهم وظلمهم طريقا الا طريق جهنم ، وعلم منه انهم صائرون إليها ، ولا بد ان يصلوها ، قال خالِدِينَ فِيها أَبَداً أي يدخلونها ويذوقون عذابها حال كونهم خالدين فيها أبدا . قيل إن لفظ « أَبَداً » ينفي أن يراد بالخلود طول المكث فيكون معنى العبارة الخلود الدائم الذي لا نهاية له . والصواب أن هذا معنى اصطلاحي لا لغوي . أما معنى الخلود في اللغة فهو كما يؤخذ من مفردات الراغب بقاء الشيء مدة طويلة على حال واحدة لا يطرأ عليه فيها تغير ولا فساد كقولهم للاثافي ( حجارة الموقد ) خوالد قال « وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها » وفسر الخلد في اللسان بدوام